الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

220

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذا استدلال على التفرد بخلق كوكب الشمس وكرة القمر وامتنان بما أودع فيهما من منافع للناس ، ونظام سيرهما الذي به تدقيق نظام معاملات الناس واستعدادهم لما يحتاجون إليه عند تغيرات أجوائهم وأرزاقهم . ويتضمن الامتنان بما في ذلك من منافعهم . وفي كون هذا الخبر جاريا على أسلوب التعديد ما قد علمت آنفا من التبكيت ، ووجهه أنهم غفلوا عما في نظام الشمس والقمر من الحكمة وما يدل عليه ذلك النظام من تفرد اللّه بتقديره ، فاشتغل بعضهم بعبادة الشمس وبعضهم بعبادة القمر كما قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فصلت : 37 ] . وجيء بهذه الجملة اسمية للتهويل بالابتداء باسم الشمس والقمر ، وللدلالة على أن حسبانهما ثابت لا يتغير منذ بدء الخلق مؤذن بحكمة الخالق . واستغني بجعل اسم الشمس والقمر مسندا إليهما عن تفكيك المسند إلى مسندين : أحدهما : يدل على الاستدلال ، والآخر يدل على الامتنان ، كما وقع في قوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 3 ، 4 ] . والحسبان : مصدر حسب بمعنى عد مثل الغفران . والباء للملابسة وهي ظرف مستقر هو خبر عن الشمس والقمر ، والتقدير : كائنان بحسبان ، أي بملابسة حسبان ، أي لحساب الناس مواقع سيرهما . وإسناد هذه الملابسة إلى الشمس والقمر مجازي عقلي لأن الشمس والقمر سبب لتلبس الناس بحسابهما كما تقول : أنت بعناية مني ، جعلت عنايتك ملابسة للمخاطب ملابسة اعتبارية ، وقوله تعالى : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] ، وقد تقدم في قوله تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً في سورة الأنعام [ 96 ] . والحسبان كناية عن انتظام سيرهما انتظاما مطردا لا يختل حساب الناس له والتوقيت به . واقتصر على ذكر الشمس والقمر دون بقية الكواكب وإن كان فيها حسبان الأنواء ، والحرّ والبرد ، مثل الجوزاء ، والشعرى ، ومنزلة الأسد ، والثريا ، لأن هذين الكوكبين هما الباديان لجميع الناس لا يحتاج تعقل أحوالهما إلى تعليم توقيت مثل الكواكب الأخرى . ولأن السورة هذه بنيت على ذكر الأمور المزدوجة والشمس والقمر مزدوجان في معارف عموم الناس فالشمس : كوكب سماوي لأنه أعلى من الأرض والأرض تدور حوله